مركز معلومات مجلس الوزراء يستعرض في تحليل جديد تقنية التوأم الرقمي واستخداماتها

الرياض - كتبت رنا صلاح - كشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عن تحليل جديد يحمل عنوان “تقنية التوأم الرقمي”، موضحًا فيه أن بيئة الأعمال العالمية قد شهدت في العقود الأخيرة تطورات متسارعة وأشد تعقيدًا، من أبرزها التحول المتسارع نحو الرقمنة، وهو ما يدفع المؤسسات لتبني وسائل أكثر فعالية لرفع الكفاءة وخفض النفقات والوقت. ضمن هذه التغيرات برزت تقنية التوأم الرقمي باعتبارها واحدة من أهم الابتكارات في العصر الحديث، إذ تقوم على إنشاء نموذج افتراضي لمبنى أو منتج أو أصل مادي، فيسهم ذلك في تعزيز الدقة والموثوقية مع تقليل الوقت والكُلفة.

مركز معلومات مجلس الوزراء يستعرض في تحليل جديد تقنية التوأم الرقمي واستخداماتها 

ورغم أن مصطلح التوأم الرقمي ذاع صيته في عام 2002، عقب عرض جامعة “ميتشيجان” لدى شركة استشارات أعمال بريطانية، إلا أن الأفكار الأساسية لهذه التقنية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، عندما قامت وكالة “ناسا” بابتكار أنظمة مطابقة للأصل على الأرض لمحاكاة الظروف في الفضاء، مثلما حدث في مشروع “أبولو 13”.

تُعرف تقنية التوأم الرقمي بأنها نموذج افتراضي يحاكي الأصول الحقيقية عبر جمع وتحليل بيانات مستمدة من أجهزة استشعار عدة تغطي مختلف مراحل دورة حياة المنتج. وتتكامل هذه التقنية مع الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وإنترنت الأشياء، منتجة أدوات متقدمة لتحليل الأداء وإجراء محاكاة “ماذا لو”، حيث تتحول البيانات الفورية إلى حلول استباقية لمشكلات قد تطرأ. يتيح ذلك إسقاط النتائج على الأصول الفعلية، ما يحسن الأداء والإنتاجية بشكل ملموس.

يفوق التوأم الرقمي نظيراتها من تقنيات المحاكاة التقليدية في المرونة والدقة، فقدرته على جمع بيانات مباشرة عن أداء الأصل تشكل ميزة كبرى، خاصة مع التكامل مع إنترنت الأشياء الذي يتيح تبادل المعلومات بين أنظمة متنوعة، ما يوفر رؤية أوضح للأداء وييسر إجراء المقارنات. ويشار إلى أن تكلفة تطبيق التوأم الرقمي مرتفعة نسبيًا نظرًا لحاجة المشروع لتركيب مستشعرات وربطها ببرمجيات متقدمة وواجهات مستخدم ملائمة، لذلك غالبًا ما تستخدم هذه التقنية في الأصول أو العمليات الأكثر استراتيجية.

يعد التوأم الرقمي أداة هامة لرصد الأخطاء وتصحيحها في المراحل الأولى من التخطيط والتصميم، وتقديم تصورات عن سيناريوهات متعددة ممكنة، مما يساهم في تطوير خطط شاملة والاستعداد لأي عوائق محتملة مستقبلاً. كما تندمج هذه التقنية مع أدوات رقمية متنوعة كالحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والروبوتات، ما يتيح دعمًا مهمًا لقرارات الأعمال ويسرع تحقيق التطور الصناعي وتحسين جودة الخدمات.

وقد شهد السوق العالمي لتقنيات التوأم الرقمي نموًا ملموسًا، إذ يُتوقع أن يرتفع حجم السوق في التصنيع إلى نحو 6.7 مليارات دولار بحلول عام 2025، أي عشرة أضعاف مستوياته في 2020، فيما تُعد قطاعات صناعة السيارات والطيران الأكثر اعتمادًا عليها، مع توسع ملحوظ متوقع في مجالات الطاقة، الصحة، الخدمات اللوجستية، والتجزئة.

تشمل تطبيقات التوأم الرقمي مجالات متعددة، منها الدفاع، حيث تطور أداء الطائرات والسفن والمركبات، وتعزز الأمن السيبراني وفعالية اتخاذ القرار في المهام العسكرية. وفي الهندسة والإنشاءات، تمكن هذه التقنية من تحسين كفاءة التصميم والتشغيل والصيانة وتقديم رؤى استشرافية لتحليل وتطوير المدن الذكية، كما هو الحال في النماذج الافتراضية لمدن أورلاندو وسنغافورة.

وفي الزراعة، يسمح دمج البيانات من مستشعرات التربة والصور الفضائية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات دقيقة لرفع كفاءة الإنتاج وضمان الأمن الغذائي. بينما في التكنولوجيا المالية تؤدي التوائم الرقمية إلى رفع كفاءة العمليات والحفاظ على أمان البيانات وتحليل المعاملات المالية بفعالية.

أما في قطاع النقل، فهي تيسر اتخاذ القرار، وترشيد استخدام الموارد، وتحسين البنية التحتية والسلامة، فيما تدعم في مجال الطاقة النظيفة عمليات التصميم والتشغيل والصيانة وتوقع الأعطال بكفاءة أعلى. كما تلعب التوائم الرقمية دورًا حاسمًا في تطوير الأدوية عبر محاكاة العمليات السريرية والتنبؤ بالاستجابات وتحسين الجودة.

تولي مصر اهتمامًا بالغًا بهذه التقنية ضمن خططها لتحقيق التحول الرقمي في إطار رؤية 2030، إذ أطلقت عددًا من المبادرات والدورات التدريبية المتخصصة لبناء كوادر محلية قادرة على تطوير التوائم الرقمية. ويمكن لمصر، من خلال هذه التقنية، تحسين بكفاءة المرافق الإنتاجية والصناعية، وتطوير المدن الذكية، ورفع جودة الخدمات الصحية، وإدارة حركة المرور والطوارئ، ما ينعكس إيجابًا على مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

واختتم التحليل بالتأكيد على ضرورة إرساء سياسات داعمة للبنية الرقمية وتكامل تقنيات البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، لتوفير مناخ ملائم يسهم في تعظيم الاستفادة من إمكانات التوأم الرقمي في جميع قطاعات الاقتصاد.