القاهرة تمسك بخيوط المشهد الفلسطيني.. كيف أعادت مصر رسم معادلة غزة وأغلقت أبواب التهجير؟

Advertisements

احمد وائل عمر - القاهرة في السبت 17 يناير 2026 01:23 صباحاً - في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بدت مصر مرة أخرى في موقعها التاريخي كركيزة توازن لا غنى عنها، قادرة على الإمساك بخيوط المشهد الفلسطيني المعقّد، وتحويل مسار الأحداث من حافة الانفجار إلى طاولة السياسة. لم يكن الحراك المصري الأخير مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي، بل مقاربة شاملة أعادت تعريف دور الدولة الراعية والضامنة، لا الوسيط العابر.

 

قمة شرم الشيخ الأخيرة لم تُعقد لتسجيل موقف أو تبادل مجاملات، بل مثّلت نقطة تحول حقيقية في إدارة أزمة غزة، حيث وضعت القاهرة أسس مرحلة جديدة عنوانها منع التهجير، واستعادة الإدارة الفلسطينية، وتهيئة الأرض لإعادة الإعمار. منذ البداية، رسمت القيادة السياسية المصرية خطوطًا واضحة لا تقبل المساومة، كان أبرزها رفض أي سيناريو يفضي إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم أو تفريغ القطاع من سكانه تحت أي ذريعة.

 

اختيار القاهرة مقرًا لانطلاق أعمال اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان. فمصر، بما تمتلكه من ثقل إقليمي وعلاقات دولية متشابكة، هي الجهة الوحيدة القادرة على منح هذا المسار شرعية حقيقية وضمانات تنفيذية، وهو ما انعكس في التوافق الفلسطيني الواسع والدعم الدولي المصاحب.

 

اللجنة، التي تضم خمس عشرة شخصية فلسطينية مهنية، تمثل محاولة جادة لإنهاء فراغ الإدارة والفوضى، والانتقال بالقطاع إلى مرحلة انتقالية منظمة تمتد لعامين، تركز بالأساس على الملف الإنساني وإعادة بناء ما دمرته الحرب. هذا التحرك، الذي يجري تحت مظلة سياسية واضحة، يعيد بسط السلطة الفلسطينية على الأرض، ويغلق الباب أمام محاولات الفصل بين غزة والضفة الغربية.

 

الدور المصري لم يتوقف عند حدود الترتيب الإداري، بل امتد ليشمل التنسيق الوثيق مع القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لضمان تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. هذا التنسيق يهدف إلى تحقيق انسحاب منظم، ونشر آليات مراقبة دولية، وتهيئة مناخ يسمح ببدء التعافي المبكر ثم الإعمار الشامل، بعيدًا عن دوامة العنف المتكررة.

 

وفي قلب هذا المشهد، أعادت مصر التأكيد على ثوابتها التاريخية: لا حل على حساب الأرض، ولا دولة منقوصة السيادة، ولا مستقبل لغزة خارج الإطار الوطني الفلسطيني. هذه الرؤية، التي تمزج بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي، جعلت القاهرة ملاذًا آمنًا للقضية الفلسطينية، ومرجعية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات قادمة.

 

التحرك المصري، في جوهره، لم يكن دفاعًا عن غزة وحدها، بل عن استقرار الإقليم بأكمله. فإجهاض مخططات التهجير، وإعادة تنظيم الإدارة، وربط المسار الإنساني بالحل السياسي، كلها عناصر تعكس مدرسة دبلوماسية تراكمت عبر عقود، وتُدار اليوم بثقة دولة تعرف وزنها وحدودها ومسؤوليتها التاريخية.

 

هكذا، تثبت القاهرة مرة أخرى أنها ليست طرفًا في الأزمة، بل عمود الخيمة الذي يمنع سقوطها، وصانع التوازن الذي يحول الفوضى إلى مسار قابل للحياة، ويمنح الفلسطينيين نافذة أمل في مستقبل مختلف، أكثر استقرارًا وكرامة.

Advertisements

أخبار متعلقة :